حسن بن موسى القادري

145

شرح حكم الشيخ الأكبر

فلا تكون راحة القلب عنه زائلة ولا يزال محبوبا لدى الخلق ؛ لأن من أحبه اللّه تعالى أحبه كله ، كما أن من لان للّه ألان اللّه له كل شيء فلا يؤذيه أحد ، وإن أراد به حاسد فلا يضره حسده ، ويجعل كيده في نحره فلا يتعب في شيء ، ولا ينازع مع أحد ، ولا يحزنه الفزع الأكبر قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس : 62 ] . فهم في مقام الجمع بل جمع الجمع « 1 » فخرجوا عن حولهم وقوتهم ولا يرون فعلا لأنفسهم ، بل يرون الأفعال من اللّه تعالى منة عليهم ، فلا يتعبون في الأعمال ، ولا يحاسبون ، ولا ينصب لهم الميزان ، ويعبرون على الصراط من غير شعورهم به وما قيل من أنه : لا يأمن أحد إلا بوضع القدم في الجنة على تقدير فهو في حق غيرهم من العاصين ، وأمّا غيرهم فهم أحباء اللّه تعالى ، فكيف يحزنهم الفزع الأكبر ؟ فإذا لم يحزنهم هذا فكيف بغيره ؟ مع أن منهم من المحبوبين لا من المحبين ، والمحبوب من شأنه طلب الأعواض والأغراض ، والمحب من شأنه أن لا يطلب الأغراض والأعواض ، قال ابن العطاء الأسكندري في حكمه : ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضا أو يطلب منه غرضا ، فإن المحب الذي يبذل لك لا الذي يبذل له ، وللّه در ابن الفارض رضي اللّه عنه حيث قال : في حب من يهواه ليس بمسرف * ما لي سوى نفسي وباذل نفسه ويا خيبة المسعى إذا لم تسعف * فلئن رضيت بها فقد اسعفتني يقال : أسعف حاجته أي : قضاها له ، وأسعف دنا وكلاهما محتمل ، و ( المسعى ) مصدر ميمي بمعنى السعي ، وهذا كله من الإخلاص ، ولا يصل أحد إلى المرتبة العليّة ، والمقامات السنية إلا به وهو بالمعنى الأول من معنى الكلام موقوف على الفناء ، وبالمعنى الثاني يترتب عليه الفناء وذلك ؛ لأن خروج العبد من نيته لا يكون إلا بالفناء ، وإخلاصه النية للّه تعالى وسيلة له ، ولذا يطلب الإخلاص بالمعنى الأول من المقربين لفنائهم في اللّه دونه بالمعنى الثاني ؛ إذ لا حاجة لهم إليه بهذا المعنى ، وإنما يطلب من الأبرار لأن يتخلصوا من أكدار النفس ، ويشاهدوا الحق ويفنوا عما سواه فيدخلوا في مقام المقربين ، وينجوا عن التعب والعناء مثلهم فلا يأتيهم الأذى ، ولا السجن المفهومان من حديث : « لو دخل المؤمن في

--> ( 1 ) الجمع : إشارة إلى الحق بل يكون ، ويسمى جمع التمخض ، لا تطرأ الصور الكونية في الحق وانطماس كثرتها في وحدية ، وانجلاء عينه لدى الغير ، بإطلاق لا يبقى معه غير .